ابن كثير
152
البداية والنهاية
الحاجات . فإن فعل شيئا من ذلك حلت عليه العقوبة . وقيل إنه كان إذا حدثه الرجل بالحديث فيكذب فيه الكلمة والكلمتين فيقول عمر : احبس هذه احبس هذه ، فيقول الرجل : والله كلما حدثتك به حق غير ما أمرتني أن أحبسه . وقال معاوية بن أبي سفيان : أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده ، وأما عمر فأرادته فلم يردها ، وأما نحن فتمرغنا فيها ظهرا لبطن . وعوتب عمر فقيل له : لو أكلت طعاما طيبا كان أقوى لك على الحق ؟ فقال : إني تركت صاحبي على جادة ، فإن أدركت جادتهما فلم أدركهما في المنزل . وكان يلبس وهو خليفة جبة صوف مرقوعة بعضها بأدم ويطوف بالأسواق على عاتقه الدرة يؤدب بها الناس ، وإذا مر بالنوى وغيره يلتقطه ويرمي به في منازل الناس ينتفعون به . وقال أنس : كان بين كتفي عمر أربع رقاع ، وإزاره مرقوع بأدم . وخطب على المنبر وعليه إزار فيه اثنتي عشرة ( 1 ) رقعة ، وأنفق في حجته ستة عشر دينار ، وقال لابنه : قد أسرفنا ، وكان لا يستظل بشئ غير أنه كان يلقي كساءه على الشجر ويستظل تحته ، وليس له خيمة ولا فسطاط . ولما قدم الشام لفتح بيت المقدس كان على جمل أورق تلوح صلعته للشمس ، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة قد طبق رجليه بين شعبي الرحل بلا ركاب ، ووطاؤه كبش من صوف ، وهو فراشه إذا نزل ، وحقيبته محشوة ليفا ، وهي وسادته إذا نام ، وعليه قميص من كرابيس قد رسم وتخرق جيبه ، فلما نزل قال : ادعوا لي رأس القرية ، فدعوه فقال : اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني قميصا ، فأتي بقميص كتان ، فقال : ما هذا ؟ فقيل كتان . فقال : فما الكتان ؟ فأخبروه . فنزع قميصه فغسلوه وخاطوه ثم لبسه ، فقال له : أنت ملك العرب ، وهذه بلاد لا يصلح فيها ركوب الإبل . فأني ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل ، فلما سار جعل البرذون يهملج به فقال لمن معه : احبسوا ، ما كنت أظن الناس يركبون الشياطين ، هاتوا جملي . ثم نزل وركب الجمل . وعن أنس قال : كنت مع عمر فدخل حائطا لحاجته فسمعته يقول - وبيني وبينه جدار الحائط - عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ ، والله لتتقين الله بني الخطاب أو ليعذبنك . وقيل : إنه حمل قربة على عاتقه فقيل له في ذلك فقال : إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها ؟ وكان يصلي بالناس العشاء ثم يدخل بيته فلا يزال يصلي إلى الفجر . وما مات حتى سرد الصوم ، وكان في عام الرمادة لا يأكل إلا الخبز والزيت حتى اسود جلده ويقول : بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع . وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء . وكان يسمع الآية من القرآن فيغشى عليه فيحمل صريعا إلى منزله فيعاد أياما ليس به مرض إلا الخوف . وقال طلحة بن عبد الله : خرج عمر ليلة في سواد الليل فدخل بيتا فلما أصبحت ذهبت إلى ذلك البيت فإذا عجوز عمياء مقعدة
--> ( 1 ) بالأصل : اثني عشر ، وهو تحريف .